الدعوة الإسلامية في إفريقيا.. تحديات وعقبات
تشير كثير من الدراسات إلى تزايد مطرد في أعداد المسلمين في إفريقيا، فخلال الفترة ما بين عام 1900 و 1952 زادت نسبة المسلمين من شعب الهوسا بشمال نيجيريا من 50% إلى 80%، كما تحولت جماعة السيرير Serer السنغالية من اتباع الديانة التقليدية والمسيحية إلى الإسلام. وقد تزايد انتشار الإسلام كذلك في المناطق الداخلية في كل من غينيا وكوت ديفوار وتوجو وبنين، وهي المناطق التي تشهد انتشارا حثيثا للإسلام حاليا، كما تشهد الظاهرة الإسلامية انتشارا وتقبلا في كثير من مناطق الكاميرون وتشاد والنيجر وموزمبيق، حيث استطاعت العقيدة الإسلامية التغلغل والانتشار على الرغم من ممارسات وسياسات السلطات الحاكمة المناوئة.
وتؤكد بعض الدراسات اكتساب الإسلام أنصارا له في بقاع جديدة من زامبيا وزيمبابوي وناميبيا بفضل جهود المؤسسات والجمعيات الإسلامية، لاسيما الجنوب إفريقية والتي زادت جهودها وأنشطتها بعد انتهاء الحكم العنصري في جمهورية جنوب إفريقيا، علاوة على جهود المؤسسات الإسلامية الأخرى.
وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية السالفة البيان، فإن طريق الدعوة الإسلامية في إفريقيا لم يخل من عقبات ومعوقات وسلبيات يمكن إجمال أهم ملامحها فيما يلي:
أ- استمرارية نفوذ المعتقدات التقليدية:
حيث تشير الدراسات إلى أن بعض مسلمي الدول الإفريقية جنوب الصحراء ما زالو يمارسون بعض الطقوس الخاصة بالمعتقدات التقليدية، لاسيما فيما يتصل بعادات استرضاء أرواح السلف والأجداد والاعتقاد في نفعهم وضرهم، وتقديم الهدايا والقرابين لتلك الأرواح، علاوة على بعض العادات الخاصة بالزواج والموت.
وبصفه عامة تشير إحدى الدراسات إلى أن الإسلام في إفريقيا يتسم ببعض الخصوصية التي تجسدها حالة النيجر، وتحديدا بين قبائل الجيرما Dejerma ، إذ تلعب الأوهام والتعاويذ والسحر دورا كبيرا في ممارسة الطقوس الدينية. ويمكن ملاحظة تداخل مسلمي الهوسا والتيجانية وأصحاب الديانة التقليدية في وسط البلاد، في حين تتمسك جماعة الكانوري في الشرق بإسلامها الذي حافظت عليه لقرون منذ كانت جزءا من مملكة " البورنو".
وتقدم نيجيريا نموذجا مشابها، حيث الشمال يكاد يكون مسلما بأكمله في حين يختلط المسلمون وأتباع الديانة التقليدية في الوسط، بينما الجنوب يشتمل على خليط من المسلمين والمسيحيين والتقليديين، ومثل ذلك بتفاوتات بسيطة يمكن أن يقال عن الكاميرون وتشاد والسودان وغيرها من الدول الإفريقية الإسلامية جنوب الصحراء.
وتتمثل خطورة ذلك المظهر والتوزيع فيما يؤدي إليه من تشوه وتشوش في العقيدة على نحو يسفر في جميع الأحيان عن مفارقات وأوضاع غير شرعية كزواج المسلمة من مشرك أو مسيحي، وقبول الأسرة (المسلمة) تغيير الابن لعقيدته، لاسيما في مناطق التماس والتداخل بين الجماعات الدينية المختلفة.
ب- عمليات التنصير والارتداد وطمس الهوية الثقافية:
يرى الكثيرون أن أخطر ما واجه الظاهرة الإسلامية ويواجهها في إفريقيا من جراء السياسات الاستعمارية هو الآثار الثقافية. ففي تنجانيقا على سبيل المثال رفضت البعثات التنصيرية المسيحية استخدام اللغة السواحيلية في المدارس على أساس أنها تحض على نشر القيم الإسلامية.
ويؤكد ذلك المعنى أن الإدارة الاستعمارية الألمانية حينما استخدمت في البداية اللغة السواحيلية كلغة للتعامل التجاري الحكومي وحثت الأوروبيين على تعلمها احتجت البعثات التنصيرية في أوغندا وعارضت استخدام السواحيلية على أساس نفس الاعتبارات، فأحد رجال الدين المسيحي الأوغنديين رغم تأييده لفكرة وجود لغة واحدة تجمع شعوب إفريقيا الوسطى أصر على ألا تكون تلك اللغة هي السواحيلية، يقول في ذلك:
"إذا كان وجود لغة واحدة لإفريقيا الوسطى هو أمر مرغوب فيه بإخلاص بالغ فإن الرب حرم أن تكون هذه اللغة هي السواحيلي. أهي الإنجليزية؟ نعم.. أما السواحيلي فلا، فالأولى تعني الإنجيل والمسيحية، أما الثانية فتعني الإسلام".
وفي السودان تمثلت السياسات اللغوية التي تبنتها الإدارة الاستعمارية في فرض اللغة الإنجليزية كلغة رسمية واستبعاد العربية مع تشجيع اللغات المحلية.
وتشير الدراسات إلى تصاعد اهتمام المؤسسات الكنسية على اختلاف مذاهبها وطوائفها بدعم حركة التنصير في إفريقيا ومواجهة ظاهرة الإحياء الإسلامي التي شهدتها بلدان مثل: ( كينيا وتنزانيا وسيراليون وساحل العاج ونيجيريا)، فضلا عن حصارها في منابعها الأصلية في المنطقة العربية. وقد عبر بعض الساسة الأمريكيين عن قلقهم من تصاعد الأصولية الإسلامية في الشمال الإفريقي في مطلع التسعينيات، محذرين من إمكانية اندفاعها جنوبا بما يؤثر على مصالحهم بالقارة.
وعلى الرغم من اتجاه بعض الباحثين إلى التقليل من المخاوف المتعلقة بالمد الأصولي الإسلامي في إفريقيا، فإن الشواهد تشير إلى أن ثمة إجراءات تتخذ للحيلولة دون البروز الجدي للمد الإسلامي في الساحة عبر التضييق من الفضاء الاجتماعي بالمعنى الواسع أمام العمل الإسلامي في مختلف دول القارة، وهو الأمر الذي زادت حدته بعد أحداث 11 سبتمبر، والسعي المحموم من جانب القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لحصار واحتواء الظاهرة الإسلامية والحيلولة دون تناميها في القارة، الأمر الذي وجد تجاوبا من بعض الدول والحكومات والقوى المتوجسة من المد الإسلامي في القارة.
من ذلك على سبيل المثال أنه في أوغندا أكد الرئيس يوري موسيفيني في أعقاب أحداث 11 سبتمبر أن أوغندا كانت من أول ضحايا بن لادن، مدعيا أن عناصر قوات التحالف الديمقراطية المناهضة للحكومة الأوغندية تدربت في معسكرات بن لادن ونفذت عدة هجمات في أوغندا وقتلت مواطنين أوغنديين أبرياء من قواعدها في الكونغو الديمقراطية.
وقد بلغت محاولة استغلال وتوظيف الظاهرة حد اتهام موسيفيني جيش الرب الأوغندي المسيحي -والذي وضعته الولايات المتحدة على قائمة التنظيمات الإرهابية- بتلقي مساعدات من بن لادن، وهو الأمر الذي بدا غير مقبول من الناحية المنطقية.
وكان مجلس الأساقفة في أوغندا قد استغل أحداث سبتمبر لمطالبة الرئيس بسحب عضوية أوغندا من منظمة المؤتمر الإسلامي حيث طالب المجلس في بيان أصدره في 3 من فبراير 2002 بالانسحاب الفوري لأوغندا من منظمة المؤتمر الإسلامي.. وقد تعهد مجلس الأساقفة بمواصلة العمل نحو هذه المطالبة عبر البرلمان، وممارسة ضغوط على المؤسسات المختلفة في الدولة.
وفي المقابل يتم تقديم كافة سبل الدعم المادي والمعنوي لجهود التنصير للقيام برسالتها، والتي استفاد القائمون عليها من خبرات واخفاقات المراحل السابقة، حيث اتخذت عمليات التنصير أشكالا ووسائل جديدة تمثلت بالأساس في الحرص على الاستتار خلف شعارات عامة إغاثية وتعليمية وترفيهية وصحية، وعدم الاقتصار على العمل التنصيري المباشر، علاوة على الحرص على أن يحمل عبء التنصير جماعة من أبناء المجتمع المستهدف؛ للتغلب على واحدة من أكبر العقبات التي حالت طويلا بين أبناء القارة والاستجابة للقساوسة من أبناء أوروبا.
يساعد على ذلك تواري خبرة التجربة الاستعمارية لدى الأجيال الجديدة من أبناء الدول الإفريقية بعامة، والإفريقية الإسلامية بخاصة الذين لم يعاصروا آلام تلك الحقبة، ولم يشهدوا سوى عسف وظلم نظمهم الوطنية، الأمر الذي دفع البعض للمطالبة بالانفصال والعودة إلى أحضان الدولة الاستعمارية السابقة على نحو ما تشهد خبرة جزيرة "أنجوان" بجمهورية جزر القمر.
وتشير بعض البيانات إلى أن تلك الممارسات التنصيرية قد نجحت في تحويل بعض المسلمين إلى النصرانية، وعلى الرغم من تهوين مصادر البيانات من وقع الحدث بدعوى أنه تم استغلال حاجة المسلمين وفقرهم وإغرائهم للارتداد عن دينهم، فإن الأمر لا يخلو من دلالة تتمثل في ضرورة مراجعة ما يذكر من أنه يصعب تحويل مسلم عن عقيدته أو مسيحي عن عقيدته، وأن ساحة التنافس بين العقيدتين هي أتباع المعتقدات التقليدية، ويزيد من أهمية تلك المراجعة ما أشار إليه بعض الطلاب الأفارقة الدارسين بمصر من بروز اتجاه بين الأفارقة يدعو للتخلص من الديانات الوافدة إلى القارة والعودة من جديد للمعتقدات التقليدية الإفريقية.
ج- تشتت الجهود الإسلامية وتضاربها:
فإلى جانب ضعف إمكانات المؤسسات الدعوية الإسلامية –مقارنة بالمؤسسات التنصيرية– تعاني الدعوة الإسلامية من ظاهرة تشتت جهود الدعوة وعدم التنسيق بينها، الأمر الذي يزيد من ضعف تلك الجهود ويقلل من فاعليتها وثمارها.
فعلى الرغم من وجود مؤسسات إسلامية ذات تراث كبير وعريق في الدعوة الإسلامية مثل: الأزهر الشريف، وجامع الزيتونة والقيروان، وكذا مؤسسات إسلامية فاعلة مثل: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، ومنظمة الدعوة الإسلامية بالسودان، ولجنة مسلمي إفريقيا الكويتية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي بالسعودية، والمنتدى الإسلامى، علاوة على جهود منظمة المؤتمر الإسلامي والحركات الصوفية والجماعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية المحلية داخل كل دولة إسلامية، فإن الواقع يشير كما سلف الذكر إلى أن كثيرا من الجهود الإسلامية تعاني من عدم الدقة في التخطيط وعدم التنسيق على نحو يؤدي إلى إهدار الجهود والإمكانات.
هذا علاوة على السلبيات الناجمة عن ممارسات بعض القائمين على أمر الدعوة الإسلامية، والتي لخصها رئيس جماعة الدعوة في نيجيريا في حديث له مع جريدة "المسلمون" حيث يقول: "إن إفريقيا في حاجة إلى دعاة يدعون إلى الإسلام بسلوكهم لا بأقوالهم، ويتاجرون في الدنيا ليربحوا الآخرة كما فعل الصحابة الأولون"، وانتقد رئيس جماعة الدعوة تركيز النخب الإسلامية الإفريقية على الجدل النظري وإهمالهم العلوم الطبيعية لصالح العلوم النظرية، وكذا ميلهم لتجريح بعضهم بعضا والتشهير ببعضهم البعض، وعزوف الكثيرين من الدعاة عن الذهاب إلى إفريقيا جنوب الصحراء بدعوى الخوف من الأمراض وشظف العيش، الأمر الذي جعل صورة العربي منفرة بعد أن كان قديما محط اهتمام الأفارقة.
فالدعاة المبعوثون من الدول العربية إلى إفريقيا –من وجهة نظره– أصبحوا مجرد موظفين يذهبون بتكليف رسمي، وحينما يأتون إلى إفريقيا فإنهم يحملون معهم المهاترات والخلافات والانشقاقات التي تذهب ببساطة الإسلام ووضوحه، أكثر من ذلك، هو يرى أنه قد ينجح داعية فيجيء من يحل محله فيجعل شاغله الأول التشكيك فيما قاله سلفه وهدم ما بناه.
وتتواتر البيانات والمعلومات الصحفية والشفاهية عن خلافات شبه يومية بين أنصار الصوفية وأعضاء الجماعات الإسلامية السلفية، الأمر الذي يكاد يكون عملية متكررة في بقاع إفريقيا المختلفة، وهو ما ينال من صورة الوحدة الإسلامية ويضعف من قوة العمل الإسلامي.
د. التهديد النابع من العلمانية الغربية:
تكاد الدراسات المعنية بالظاهرة الإسلامية في الغرب والشرق تجمع على أن أخطر التحديات التي تواجه العالم الإسلامي بصفة عامة هي ظاهرة العلمانية الغربية وليست عمليات التنصير، وإن كانت الأولى يمكن أن تكون مدخلا جيدا للثانية، خاصة مع سيادة مفاهيم العولمة التي تحمل داخلها حزمة من المهددات أهمها مخاطر نظرة الغرب للإسلام على أنه الخطر الإستراتيجي البديل للخطر الشيوعي، وما تبع ذلك من مساعي حصار واحتواء للظاهرة الإسلامية وكافة النظم التي تسعى للانطلاق من منظور حضاري مخالف للمنظومة الغربية.
وحملت العولمة كذلك مخاطر تتعلق بالخصوصية الثقافية للدول الإفريقية بعامة، والإسلامية منها بصفة خاصة في ظل عمليات الإغراق الثقافي من جانب القوى الغربية المهيمنة على أدوات الإعلام، والتي تكشف مادتها الإعلامية عن تعارض كثير من قيمها ومضامينها مع المبادئ والقيم الإسلامية؛ الأمر الذي يسفر في نهاية المطاف عن ظاهرة الاغتراب والتغريب بين أبناء الدول الإسلامية.
وتتبدى آثار عملية التغريب في المجتمعات الأكثر تقدما في إفريقيا، حيث يعبر الدكتور علي مزروعي عن تلك الظاهرة بقوله: إنه "من المستحيل أن تكون مسلما، ومسيحيا في وقت واحد، ولكن من الطبيعي جدا أن تكون مسلما ومتغربا في آن واحد"، ويستشهد في ذلك بأن دول الشمال الإفريقي هي أكثر الدول إسلامية بمعيار العدد السكاني ونسبة المسلمين، وهي في ذات الوقت أكثر دول القارة تمثلا للغرب وتأثرا به، وفي خطورة ذلك يقول مزروعي: "عندما يفتن الشباب بموسيقى الديسكو والملاهي، فإن عقيدتهم تصبح مهددة بصورة أكبر من الحالة التي يستمعون فيها إلى مبشر مسيحي"